أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
292
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدها : أنه منصوب على المصدر المؤكّد ؛ لأنّ معنى « لَهُمْ جَنَّاتٌ » ننزلهم جنات نزلا . وقدّره الزمخشري بقوله : « رزقا وعطاء من عند اللّه » . الثاني : نصبه بفعل مضمر أي : جعلها لهم نزلا . الثالث : نصبه على الحال من « جَنَّاتٌ » لأنها تخصصت بالوصف . الرابع : أن يكون حالا من الضمير في « فِيها » أي : منزّلة إذا قيل : بأن « نُزُلًا » مصدر بمعنى المفعول نقله أبو البقاء . الخامس : أنه حال من الضمير المستكنّ في « خالِدِينَ » إذا قلنا إنه جمع نازل ، قاله الفارسي في « التذكرة » « 1 » . السادس - وهو قول الفراء - : نصبه على التفسير أي : التمييز ، كما تقول : « هو لك هبة أو صدقة » ، وهذا هو القول بكونه حالا . والجمهور على ضم الزاي . وقرأ الحسن والأعمش والنخعي بسكونها وهي لغة ، وعليها البيت المتقدم ، وقد تقدم لك أن مثل هذا يكون فيه المسكّن مخففا من المثقل أو بالعكس ، والحق : الأول . قوله : مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فيه ثلاثة أوجه ، لأنك إن جعلت « نُزُلًا » مصدرا كان الظرف صفة له ، فيتعلق بمحذوف أي : نزلا كائنا من عند اللّه على سبيل التكريم ، وإن جعلته جمعا كان في الظرف وجهان : أحدهما : جعله حالا من الضمير المحذوف تقديره : نزلا إياها . والثاني : أنه خبر محذوف أي : ذلك من عند اللّه ، نقل ذلك أبو البقاء . قوله : وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ : « ما » موصولة ، وموضعها رفع بالابتداء ، والخبر « خَيْرٌ » ، و « لِلْأَبْرارِ » صفة ل « خَيْرٌ » ، فهو في محلّ رفع ، ويتعلّق بمحذوف . وظاهر عبارة الشيخ « 1 » أنه متعلق بنفس « خَيْرٌ » فإنه قال : « و لِلْأَبْرارِ متعلق ب « خَيْرٌ » . وأجاز بعضهم أن يكون « لِلْأَبْرارِ » هو الخبر ، و « خَيْرٌ » خبر ثان . قال أبو البقاء : « والثاني - أي الوجه الثاني - أن يكون الخبر « لِلْأَبْرارِ » ، والنية به التقديم ، أي : والذي عند اللّه مستقر للأبرار ، و « خَيْرٌ » على هذا خبر ثان » ، وفي ادّعاء التقديم والتأخير نظر ؛ لأنّ الأصل في الأخبار أن تكون بالاسم الصريح ، فإذا اجتمع خبر مفرد صريح وخبر مؤول به بدىء بالصريح من غير عكس ، كالصفة ، فإذا وقعا في الآية على الترتيب المذكور فكيف يدّعى فيهما التقديم والتأخير ؟ ونقل أبو البقاء عن بعضهم أنه جعل « لِلْأَبْرارِ » حالا من الضمير في الظرف ، و « خَيْرٌ » خبر المبتدأ ؛ قال : وهذا بعيد ، لأنّ فيه الفصل بين المبتدأ وخبره بحال هي لغيره ، والفصل بين الحال وصاحبها بخبر المبتدأ ، وذلك لا يجوز في الاختيار . وقال الشيخ « 2 » : « وقيل : فيه تقديم وتأخير ، أي : الذي عند اللّه للأبرار خير ، قال : « وهذا ذهول عن قاعدة العربية : من أنّ المجرور إذ ذاك يتعلق بما تعلّق به الظرف الواقع صلة للموصول ، فيكون المجرور داخلا في حيز الصلة ، ولا يخبر عن الموصول إلا بعد استيفائه صلته ومتعلقاتها » . فإن عنى الشيخ بالتقديم والتأخير هذا الوجه - أعني
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 148 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 148 ) .